أنا عبد المنعم مدبولي أستاذ علم النحت ولست الريحاني

عبد المنعم مدبولي
عبد المنعم مدبولي
Picture of سلوى أبوزيد
سلوى أبوزيد
صحفية فنية متخصصة في السينما والتلفزيون سبق أن عملت في العديد من البرامج والقنوات وأيضا مواقع الإنترنت.

بعض زمايلي طبعاً متأثرين بنجيب الريحاني، لكن أنا ” عبد المنعم مدبولي” يمكن المستمعين ميصدقوش إني مشفتش الريحاني غير مرة واحدة في حياتي، كانت بمسرحية (الدلوعة)، ومشفتش أي مسرحية تانية غيرها لنجيب الريحاني.”

 

هذا التصريح، الذي قد يبدو صادماً للبعض، هو حجر الزاوية في فهم ظاهرة “المدبوليزم” أو مدرسة عبد المنعم مدبولي الخاصة، فهو لم يكن مقلداً، بل كان نحاتاً –بالمعنى الحرفي والمجازي– شكل الكوميديا من طين الواقع المصري، مستمداً إياها من تجربته الإنسانية القاسية، ومن دراسته الأكاديمية في كلية الفنون التطبيقية، قسم النحت، ثم نقل هذه التجربة إلى خشبة المسرح.

 

عبد المنعم مدبولي الأستاذ، الفنان، والنحات

 

ولد عبد المنعم مدبولي في حي باب الشعرية بالقاهرة عام 1921، وطفولته لم تكن مفروشة بالورود؛ فقد رحل والده وهو لا يزال جنيناً، وعاش حياة قاسية صقلت شخصيته ومنحته حساً إنسانياً مرهفاً، وجرعة من الكوميديا التي لا تخلو من مسحة من الحزن، هذه المعاناة المبكرة، ممزوجة بخياله الخصب، كانت الوقود الأول لموهبته.

 

لم تكن بداياته فنية خالصة، فقد التحق بالمعهد العالي لفن التمثيل العربي وتخرج عام 1949، لكن قبل ذلك كانت له رحلة أكاديمية أخرى، حيث صرح في حوار تلفزيوني قديم: “أنا اسمي عبد المنعم مدبولي حسن محمد أستاذ علم النحت في كلية الفنون التطبيقية”. هذه الخلفية الأكاديمية والعلمية في النحت، انعكست بشكل مباشر على أدائه التمثيلي، فمثلما كان ينحت التماثيل من الجبس والخشب، كان ينحت الشخصيات على المسرح، يعتني بتفاصيلها الدقيقة، بتعابير وجهه، بحركة جسده، ونبرات صوته، ليخلق “بورتريهات” إنسانية حية، لا مجرد كركتيرات كاريكاتورية.

 

 

الفنان عبد المنعم مدبولي
الفنان عبد المنعم مدبولي

من “ساعة لقلبك” إلى “الفنانين المتحدين”

 

بدأ “مدبولي” رحلته الفنية مبكراً من خلال الإذاعة، وتحديداً البرنامج الشهير “ساعة لقلبك”، الذي كان بمثابة مصنع للنجوم والكوميديين في تلك الفترة، وبعد ذلك، انضم إلى مسرح التليفزيون، وساهم مع جيله من العمالقة، منهم فؤاد المهندس وأمين الهنيدي، في تأسيس مدرسة كوميدية جديدة. ل

 

استلتهم هذه المدرسة – دون استنساخ-  روحها من رواد الكوميديا نجيب الريحاني وعلي الكسار، وقدمت قالبا وشكلا كوميديا يناسب الجمهور المصري في تلك الحقبة الزمنية المتغيرة، ليصنع “مدبولي” بذلك رصيداً ضخماً من الأعمال المسرحية التي أخرجها ومثل فيها.

 

طموحه الفني دفعه ألا يكتف بالانضمام للفرق، بل أسس فرقة “المسرح الحر” عام 1952، والتي قدمت أعمالاً مسرحية بارزة، ولاحقاً، تولى قيادة فرقة المسرح الكوميدي، وأخرج العديد من العروض التي حققت نجاحاً جماهيريًا هائلاً.

 

أحد أهم المحطات في مسيرة مدبولي كانت شراكته الفنية مع الفنان فؤاد المهندس؛ ثنائي ناجح امتد لعقود، حيث التقيا لأول مرة في برنامج الأطفال “بابا شارو”، ومنذ تلك اللحظة، توطدت الصداقة بينهما، وأسسا معاً فرقة “الفنانين المتحدين”.

قدم هذا الثنائي عدداً من أشهر المسرحيات الخالدة في تاريخ المسرح المصري، منها: “أنا وهو وهي”، و”حواء الساعة 12″، و”حالة حب”، إلى جانب العديد من الأفلام السينمائية، أبرزها “مطاردة غرامية”، و”شنبو في المصيدة”، و”المليونير المزيف”، و”ربع دستة أشرار”.

 

وبالرغم من أن الريحاني كان حاضراً كمرجعية عامة، إلا أن مدبولي كان له رؤيته الخاصة، فحتى عندما سألته زوجته في حوار تلفزيوني عن تأثر جيله بمدرسة الريحاني، أجاب بأن هناك من زملائه من تأثر به، وكان أقربهم دارسا وتلميذا للريحاني هو فؤاد المهندس، حيث قال: “زميلي الأستاذ الكبير الفنان فؤاد المهندس يمكن أكتر واحد التصق بالريحانة، والريحانة أخرج له، وفؤاد مثّل كتير جداً روايات الريحاني ودرسه وشربه تمام جداً، أعتقد يمكن فؤاد المهندس بس من الزملاء اللي دارسين نجيب الريحاني”.

 

عبد المنعم مدبولي وعادل إمام
عبد المنعم مدبولي وعادل إمام

مدرسة “المدبوليزم”.. صانع النجوم و”بابا عبده”

 

إضافة إلى كونه ممثل كوميدي موهوب، كان عبد المنعم مدبولي صاحب مدرسة أدائية فريدة أُطلق عليها اسم “المدبوليزم”، التي تمزج بين الكوميديا والمأساة الإنسانية بطريقة سلسة، وتجلت عبقريته الفنية في كونه “ناظر المدرسة” الذي اكتشف وقدم جيلاً كاملاً من عمالقة الكوميديا في مصر.

 

من تحت عباءته المسرحية، خرج عادل إمام، وسعيد صالح، ويونس شلبي، ومحمد صبحي، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من النجمات اللاتي ظهرن في مسرحيته الشهيرة “لوكاندة الفردوس”.

 

وعلى الرغم من أن المسرح كان عشقه الأول والأساسي، فإن بصماته في السينما ظلت حاضرة بقوة بعدما قدم مجموعة من الأفلام التي أصبحت من كلاسيكيات الشاشة المصرية، إذ بدأ مشواره السينمائي عام 1958 بفيلم “أيامي السعيدة”، تلاه بالعديد من الأعمال التي أصبحت علامات بارزة، من بينها “الحفيد”، و”مولد يا دنيا”، و”شهادة مجنون”، و”الزوج العازب”، و”مدرسة المشاغبين”. وكانت آخر إطلالة سينمائية له في فيلم “أريد خلعاً” إلى جانب الفنان أشرف عبد الباقي.

 

كما أن أعماله للتلفزيون تركت أثراً لا يمحى، من أبرزها المسلسل الاجتماعي الأيقوني “أبنائى الأعزاء.. شكراً”، الذي منحه الجمهور من خلاله لقبه الأحب إلى قلبه “بابا عبده”.

 

ومفتاحه السحري لقلوب الأطفال لم يقتصر على التمثيل، فقد قدم لهم أغنيات استعراضية وتربوية عاشت عبر الأجيال وما زالت تتردد حتى يومنا هذا، مثل “توت توت”، و”جدو عبده زارع أرضه” في المسلسل الرمضاني الشهير، و”الشاطر عمر”،

 

عبد المنعم مدبولي وفؤاد المهندس
عبد المنعم مدبولي وفؤاد المهندس

جوائز وتقدير

 

خلال مسيرته الفنية، حظي الفنان القدير عبد المنعم مدبولي بتقدير رسمي وشعبي كبير، وحصد العديد من الجوائز وشهادات التكريم، أبرزها جائزة الدولة التتقديرية، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، إلى جانب تكريمات عديدة عن أعماله الفنية.

كما كان أول فنان عربي تتناول سيرته دائرة المعارف النمساوية، في تأكيد على القيمة الفنية الكبيرة التي حققها داخل مصر وخارجها.

 

وبعد مرور عقدين على رحيله، لا يزال اسم عبد المنعم مدبولي حاضراً بقوة، سواء من خلال أعماله التي تُعرض باستمرار أو من خلال الأجيال التي تعلمت من مدرسته الفنية، ليظل واحداً من الفنانين الذين نجحوا في ترك ميراث فني وإنساني لا يعرف الغياب. فالفنان الحقيقي لا يرحل، بل يبقى بفنه وما قدمه من قيمة وإبداع خالد.

عبد المنعم مدبولي وشادية وسهير البابلي في كواليس مسرحية ريا وسكينة
عبد المنعم مدبولي وشادية وسهير البابلي في كواليس مسرحية ريا وسكينة

 

العثور على مفتاح نجاح عبد المنعم مدبولي، امرا يشبه المستحيل، لكن جزء كبير من ذلك النجاح يعود إلى رؤيته الثاقبة وقدرته على اكتشاف النجوم، فمن المساهمة في اكتشاف النجم عادل إمام، إلى تغيير جلد النجمة الراحلة شادية تماما واقناعها بالوقوف للمرة الأولى والأخيرة لها على خشبة المسرح لتقدم “ريا وسكينة”، هذه المسرحية التي صمدت مع مرور السنوات ومازالت تضحكنا حتى اليوم.

يكمن السر أيضا خلف دقة أدائه وعمقه النفسي وتجسيده للشخصيات، من الأب المطحون في فيلم “الحفيد” بأداء كوميدي، إلى الأداء التراجيدي الصادم في فيلم “إحنا بتوع الأتوبيس”، ثم إلى دور الشرير أبو الفتوح مساعد رجل الأعمال الشرنوبي في فيلم “حب في الزنزانة”.