ختام مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 33.. قائمة الجوائز والتوصيات

ختام مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 33 .
ختام مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 33 .
Picture of بلاتوه 9
بلاتوه 9

مع إسدال الستار على مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 33 وانتهاء مجموعة مميزة من العروض المسرحية، مثلت هذه الدورة وفعاليتها وجوائزها محطة جديدة في النقاش حول مستقبل المسرح المعاصر وحدود التجريب فيه، خاصة مع تنوع التجارب التي احتضنتها الدورة بين عروض عربية وأجنبية ومصرية، إلى جانب برنامج فكري وتدريبي وإصدارات سعت إلى توسيع دائرة الحوار حول المسرح.

 

واختتم المهرجان، برئاسة الدكتور سامح مهران، فعاليات دورته مساء الثلاثاء 8 سبتمبر 2026، بعد دورة أقيمت خلال الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر، وشهدت مشاركة واسعة من الفنانين والمسرحيين والنقاد والباحثين وضيوف من دول عربية وأجنبية.

 

وقبل التطرق إلى النتائج النهائية للجوائز، فإن أبرز ما يمكن التوقف أمامه في هذه الدورة هو السؤال الذي يبدو أن المهرجان أعاد طرحه بقوة: ماذا يعني أن يكون العرض المسرحي تجريبيًا في الوقت الراهن؟

 

فالتجريب، وفق الرؤية التي عكستها لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، لم يعد مجرد محاولة لكسر القواعد التقليدية أو تقديم شكل مختلف لمجرد الاختلاف، وإنما أصبح بحثًا عن لغة مسرحية جديدة، وعن طرق أخرى في الأداء والتواصل وإنتاج المعنى.

 

اقرأ ايضا:

 

19 عرضًا و14 جلسة فكرية و7 ورش.. برنامج يتجاوز خشبة المسرح

 

قدمت الدورة الثالثة والثلاثون برنامجًا واسعًا لم يتوقف عند العروض المسرحية، إذ تضمن 19 عرضًا مسرحيًا، إلى جانب 14 جلسة فكرية وبحثية، و7 ورش مسرحية، فضلًا عن 12 إصدارًا من الدراسات والمسرحيات المترجمة التي أضيفت إلى المكتبة العربية.

 

وهذا التنوع يعطي صورة مختلفة عن طبيعة المهرجان، الذي لا يتعامل مع المسرح باعتباره عرضًا يُشاهد وينتهي بانتهاء الستار، وإنما باعتباره مجالًا للبحث والتدريب والنقاش وتبادل الخبرات.

 

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الدورة الحالية باعتبارها محاولة لبناء منصة مسرحية متكاملة، تجمع بين المبدع الذي يقدم تجربته على الخشبة، والباحث الذي يناقش تحولات الفن المسرحي، والمتدرب الذي يكتسب أدوات جديدة، والقارئ الذي يجد أمامه نصوصًا ودراسات مترجمة.

 

كما شهدت الدورة الاحتفال بيوم المسرح المصري، إلى جانب تكريم أصحاب الخبرات المسرحية، في إطار سعى المهرجان من خلاله إلى الجمع بين الاحتفاء بالتجارب القائمة وفتح المجال أمام أسئلة جديدة حول مستقبل المسرح.

 

ريد كاربت حفل ختام مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 33
ريد كاربت حفل ختام مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 33

القاهرة.. ليست مجرد مدينة تستضيف المهرجان

 

ومن أكثر الزوايا اللافتة في حفل الختام أن القاهرة نفسها تحولت إلى عنصر أساسي في الصورة الفنية للدورة.

 

فقد بدأ الحفل بعرض الفيلم القصير «البيت»، الذي أخرجه محمد فاضل القباني، ورصد من خلاله كواليس الدورة وحياة الضيوف خلال أيام المهرجان، مع التركيز على العلاقة التي نشأت بينهم وبين القاهرة، وما تركته المدينة من مشاعر الألفة والحنين مع اقتراب لحظة المغادرة.

 

ثم جاءت فقرة «Take Me Back to Cairo» لتواصل الفكرة نفسها ولكن بلغة فنية مختلفة، حيث تحولت مشاعر الوداع والرغبة في العودة إلى القاهرة إلى عرض موسيقي وفني قدمته فرقة Egyptian Project.

 

وبذلك لم تكن القاهرة في ختام المهرجان مجرد خلفية للأحداث، وإنما أصبحت جزءًا من الحكاية نفسها؛ مدينة تجمع فنانين من ثقافات مختلفة، وتمنحهم فرصة للالتقاء والتفاعل، ثم تترك لديهم ذكرى تجعل لحظة الرحيل مرتبطة بفكرة العودة.

 

وهذه الجزئية تحديدًا تكشف جانبًا مهمًا من وظيفة المهرجانات الدولية؛ فهي لا تستضيف الأعمال الفنية فقط، وإنما تصنع أيضًا علاقات إنسانية وثقافية بين المشاركين، وهو ما يمنح الحدث أثرًا يتجاوز عدد العروض والجوائز.

 

لجنة التحكيم تضع يدها على السؤال الأصعب: ما هو التجريب؟

 

ربما كانت كلمة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية واحدة من أهم الوثائق التي خرجت بها الدورة الثالثة والثلاثون، لأنها لم تكتف بإعلان الفائزين، وإنما قدمت قراءة لما شاهدته من عروض، وحددت مجموعة من الملاحظات والتوصيات التي يمكن أن تصبح أساسًا للنقاش في الدورات المقبلة.

 

وترأس لجنة التحكيم الفنان رياض الخولي، وضمت في عضويتها محمد الغرباوي، ومحمد منير العرقي، وخالد الرويعي، وباتريشيا لومباردي أسيرا، وحسان كاسي كوياتي، وساشو أوغنانوفسكي.

 

وأوضحت اللجنة أنها شاهدت 15 عرضًا مسرحيًا وأدائيًا على مدار أيام المهرجان، ولاحظت تنوعًا في الرؤى والأساليب الجمالية والمقاربات المسرحية المعاصرة.

 

لكن الأهم أن اللجنة لم تتعامل مع هذا التنوع باعتباره مجرد اختلاف شكلي، وإنما ربطته بتحولات أوسع في مفهوم الأداء والتمثيل.

 

فبحسب ما جاء في تقييمها، ظهرت اتجاهات تعتمد على الاختزال والأسلوبية والحياد الأدائي، وهي مساحات اعتبرتها اللجنة مشروعة للبحث والتجريب، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة ألا يؤدي التطور في أدوات الأداء إلى فقدان الممثل لحضوره الإنساني وقدرته على التواصل مع المتلقي.

 

وهنا تظهر زاوية أساسية في الدورة: التجريب ليس غاية في حد ذاته.

 

فالعمل المسرحي لا يصبح تجريبيًا لمجرد أنه يبتعد عن الشكل التقليدي، وإنما عندما يستخدم هذه المسافة لإنتاج لغة أو معنى جديد. وهو ما عبرت عنه اللجنة عندما رأت أن قيمة التجريب تكمن في قدرته على إنتاج لغة جديدة وخلق معنى وإعادة اكتشاف الإنسان من خلال المسرح.

 

رياض الخولي في ختام مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 33
رياض الخولي في ختام مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 33

توصيات لجنة التحكيم.. تطوير قواعد المشاركة قبل زيادة الجوائز

 

ولم تكتف اللجنة بتقييم العروض، وإنما قدمت توصيات تتعلق بشكل المهرجان وآليات المشاركة فيه مستقبلًا.

 

وجاءت التوصية الأولى مرتبطة باستمارة المشاركة نفسها، حيث دعت اللجنة إلى أن تتضمن الاستمارة توضيحًا لعلاقة العرض المسرحي المشارك بالتجريب.

 

أما التوصية الثانية، فتمثلت في المطالبة بزيادة عدد الجوائز، باعتبار أن عددها الحالي محدود مقارنة بتعدد التخصصات والعناصر الفنية التي تستحق التقدير.

 

وهاتان التوصيتان تفتحان بابًا مهمًا للنقاش.

 

فالتوصية المتعلقة باستمارة المشاركة لا تتعلق بالتفاصيل الإدارية فقط، وإنما تمس جوهر هوية مهرجان يحمل اسم «التجريبي». إذ يصبح من الضروري تحديد المساحة التي يتحرك فيها العرض بين المسرح التقليدي والمسرح الذي يبحث عن أشكال جديدة.

 

أما الدعوة إلى زيادة الجوائز، فتعكس من ناحية أخرى اتساع مساحة التجارب وتعدد العناصر الإبداعية داخل العرض المسرحي، بما يجعل حصر التكريم في عدد محدود من الفئات أمرًا قد لا يعكس بالضرورة كل الجهود الفنية المشاركة.

 

Zhenya + Tanya = Love يحصد جائزة أفضل عرض

 

وعلى مستوى النتائج، جاءت جائزة أفضل عرض مسرحي من نصيب العرض البيلاروسي «Zhenya + Tanya = Love»، بعد منافسة مع عرضي «لعبة ليلية» من المملكة المتحدة و«بماذا يحلم الناجون؟!» من مصر.

 

وتبلغ قيمة جائزة أفضل عرض 500 ألف جنيه مصري، وهي الأعلى بين الجوائز المالية التي أعلنتها لجنة التحكيم خلال الدورة.

 

ولم يتوقف حضور العرض البيلاروسي عند الجائزة الكبرى، إذ حصلت كاتسارينا كريلوفا على جائزة أفضل ممثلة عن العمل نفسه، بينما ذهبت جائزة أفضل مخرج إلى طاهر عيسى عن عرض «لا موضى» من تونس.

 

وتكشف هذه النتائج عن طبيعة المنافسة التي شهدتها المسابقة، والتي لم تكن محصورة في اتجاه فني واحد، بل امتدت بين تجارب من بيلاروسيا وتونس والمملكة المتحدة ومصر ودول أخرى.

 

ختام مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 33
ختام مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 33

حضور مصري في قائمة الجوائز

 

ورغم أن جائزة أفضل عرض ذهبت إلى بيلاروسيا، فإن المسرح المصري كان حاضرًا في قائمة الفائزين من خلال عرض «بماذا يحلم الناجون؟!»، الذي حصلت عنه سماح حمدي على جائزة أفضل سينوغرافيا.

 

وتبلغ قيمة الجائزة 100 ألف جنيه مصري، وكانت المنافسة عليها بين سماح حمدي عن العرض المصري وطاهر عيسى عن «لا موضى» من تونس.

 

كما حصل العرض المصري نفسه على شهادة تقدير للمخرجة سماح حمدي، ضمن مجموعة من شهادات التقدير التي شملت تجارب وعناصر فنية من مصر ودول أخرى.

 

أما جائزة أفضل نص، وقيمتها 100 ألف جنيه مصري، فذهبت إلى فهد ردة الحارثي عن عرض «الناعشون» من المملكة العربية السعودية، بعد منافسة مع طاهر عيسى عن «لا موضى».

 

وفي جائزة أفضل ممثل، تقاسم الجائزة أليكسي تيتكوف عن «ليزا المسكينة» من روسيا الاتحادية وأمير دريدي عن «لا موضي» من تونس.

 

الجوائز بداية نقاش جديد

 

إذا كان حفل الختام عادة ما يمثل لحظة إعلان الفائزين وإغلاق ملف الدورة، فإن قراءة نتائج الدورة الثالثة والثلاثين تشير إلى أن القيمة الحقيقية للمهرجان لا تتوقف عند أسماء الفائزين.

 

فالجوائز قدمت خريطة للتجارب التي لفتت انتباه لجنة التحكيم، لكن توصيات اللجنة قدمت في الوقت نفسه خريطة أخرى لما يمكن تطويره مستقبلًا.

 

وهذا ما يجعل توصية زيادة الجوائز وتوضيح علاقة العرض بالتجريب ذات أهمية خاصة، لأنها تطرح أسئلة تتعلق بهوية المهرجان نفسه: كيف يمكن الحفاظ على مساحة مفتوحة للتجارب الجديدة؟ وكيف يمكن تقييم عمل يختلف في لغته وأدواته عن المسرح التقليدي؟ وكيف يمكن أن يكون التجريب مرتبطًا بالإنسان والمتلقي وليس بالشكل فقط؟

 

هذه الأسئلة تبدو أكثر أهمية من مجرد ترتيب الفائزين، لأنها تتصل بالدور الذي يريد مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي أن يلعبه في المشهد المسرحي العربي والدولي.

 

حفل ختام مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 33
حفل ختام مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 33

المراكز الثقافية شريك أساسي في التجربة

 

ومن الجوانب التي حظيت بالتكريم خلال حفل الختام المراكز الثقافية التي تعاونت مع المهرجان، وفي مقدمتها اتحاد المراكز الثقافية الأوروبية في مصر، والمركز الثقافي البريطاني، والمعهد الثقافي الإيطالي.

 

وجاء تكريم هذه الجهات تقديرًا لدورها في دعم البرنامج الفني والفكري والتدريبي، وإتاحة مساحات للتبادل الثقافي بين الفنانين المصريين وضيوف المهرجان من مختلف الدول.

 

ويكتسب هذا التعاون أهمية خاصة في مهرجان يعتمد بطبيعته على التواصل الدولي، لأن وصول التجارب المسرحية المختلفة إلى الجمهور لا يرتبط فقط بالمسارح، وإنما يحتاج أيضًا إلى شبكة من المؤسسات الثقافية التي تستطيع دعم الورش والندوات والعروض والأنشطة المصاحبة.

 

من القاهرة إلى العالم.. والمسرح يبحث عن لغة جديدة

 

في ختام الدورة الثالثة والثلاثين، يبدو أن الرسالة الأبرز التي تركها المهرجان لا تتعلق بعرض واحد أو جائزة بعينها، وإنما بفكرة أوسع: المسرح التجريبي يظل مساحة مفتوحة لاختبار الأفكار والأشكال والأدوات.

 

فخلال ثمانية أيام، تحولت القاهرة إلى نقطة لقاء بين تجارب متعددة، بعضها جاء من بيئات ثقافية مختلفة، وبعضها ينتمي إلى المسرح المصري والعربي، لكن القاسم المشترك بينها كان البحث عن طرق جديدة للتعبير.

 

ومن هنا تبدو دلالة فيلم «البيت» وعرض «Take Me Back to Cairo» أكثر وضوحًا؛ فالمهرجان الذي جمع هؤلاء الفنانين في القاهرة انتهى، لكن التجربة التي عاشوها لا تنتهي بالضرورة مع مغادرتهم، بل يمكن أن تستمر من خلال العلاقات والأفكار والتجارب التي انتقلت من خشبة إلى أخرى ومن ثقافة إلى أخرى.

 

وفي كلمته خلال الختام، أكد الدكتور أيمن الشيوي، رئيس قطاع المسرح، أن المسرح لا يتوقف عند نهاية دورة أو فعالية، وإنما يستمر في البحث عن أسئلة وأشكال وآفاق جديدة للإنسان.

 

وهذه الفكرة تختصر ربما طبيعة المهرجان نفسه؛ فإسدال الستار على الدورة الثالثة والثلاثين لا يعني إغلاق ملف التجريب، وإنما الانتقال إلى مرحلة جديدة من البحث.

 

ماذا بعد الدورة الـ33 من مهرجان المسرح التجريبي؟

 

مع انتهاء دورة 2026، يترك مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي أمام إدارته والمشاركين فيه مجموعة من الملفات المفتوحة، في مقدمتها كيفية تعريف التجريب بصورة أكثر وضوحًا، وتوسيع مساحة المشاركة، وزيادة فرص تكريم العناصر الفنية المختلفة.

 

وفي المقابل، تؤكد حصيلة الدورة أن المهرجان أصبح مساحة تتجاوز فكرة العرض المسرحي إلى منظومة تشمل العروض والندوات والورش والكتب واللقاءات والتبادل الثقافي.

 

وبينما خرجت جائزة أفضل عرض إلى «Zhenya + Tanya = Love»، وبرزت أسماء وتجارب من تونس والمملكة المتحدة وروسيا والسعودية ومصر وبيلاروسيا، فإن المشهد الأكبر الذي رسمته الدورة هو مشهد مسرحي متعدد اللغات والأساليب، يبحث عن أشكال جديدة للتعبير، لكنه في الوقت نفسه يواجه السؤال الأهم: كيف يمكن أن يظل التجريب قريبًا من الإنسان؟

 

وبذلك، تنتهي الدورة الثالثة والثلاثون من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، لكن الأسئلة التي أثارتها لا تنتهي معها. فالمهرجان الذي اختار منذ البداية أن يجعل من التجريب مساحة للبحث، يبدو أنه يدخل دورة جديدة من البحث عن تعريف أكثر اتساعًا للمسرح، وعن تجارب قادرة على كسر المألوف دون أن تفقد صلتها بالجمهور والإنسان.

 

وهنا تحديدًا يمكن قراءة ختام الدورة باعتباره بداية لا نهاية؛ نهاية ثمانية أيام من الفعاليات، وبداية نقاش جديد حول شكل المسرح الذي يمكن أن يولد من رحم التجريب في السنوات المقبلة.