اسمي لطفي لبيب وانتظروني العام المقبل.. فنان يحلم دائما

لطفي لبيب
لطفي لبيب
Picture of بلاتوه 9
بلاتوه 9

“لقد أحببت هذه النوعية من الأفلام، وانتظروني العام المقبل مشاركًا بفيلم قصير جدًا “.. كلمات قد يعتقد البعض أنها عابرة قالها الفنان الراحل لطفي لبيب خلال تكريمه في مهرجان VS  للأفلام القصيرة جدًا بالعين السخنة قبل عامين، لكنها في الحقيقة تعد تلخيصًا لعلاقته بالفن. فبينما كان المرض يفرض حضوره على الجسد، ظل الشغف حاضرا بقوة، يتحدث عن مشاريع جديدة وكأن السنوات المقبلة ما زالت تحمل له مواعيد أخرى مع الكاميرا والجمهور.

 

واليوم، في الذكرى الأولى لرحيله، التي تحل في 30 يوليو، يعود اسم لطفي لبيب إلى الواجهة بوصفه أحد الفنانين الذين لم تغرهم البطولة المطلقة، لكنهم نجحوا في صناعة مكانة استثنائية بأدوار تركت أثرا يتجاوز كثيرا مساحتها على الشاشة.

 

لم يخفي لطفي لبيب حجم الإرهاق الذي عاشه في سنواته الأخيرة، بل تحدث عنه بصراحة في أكثر من لقاء، مؤكدًا أنه واصل العمل حتى أصيب بجلطة نتيجة الإجهاد، في إشارة إلى تمسكه بالوقوف أمام الكاميرا رغم الظروف الصحية الصعبة. وحتى بعد تعرضه لوعكات متتالية وتورمات أثرت على حالته الصحية، ظل يردد عبارة واحدة: “الحمد لله” معبرًا عن رضاه الكامل بما مر به، في انعكاس لفلسفة خاصة في التعامل مع الحياة.

 

هذه الفلسفة كانت منهجا عاش به سنوات طويلة، ففي أحد حواراته التلفزيونية، اختصر رؤيته للسعادة في كلمات قليلة: “سامح، وحب، واغفر، واصفح”، مؤكدًا أنه لم يؤمن يومًا بالخصومات الدائمة، وأن العلاقات الإنسانية بطبيعتها تتغير دون حاجة إلى القطيعة أو الكراهية.

 

لطفي لبيب زمان
لطفي لبيب زمان

مسيرة لطفي لبيب

 

ولد لطفي لبيب عبد الله حنا عام 1947 في مركز ببا بمحافظة بني سويف، قبل أن ينتقل إلى الإسكندرية للدراسة بكلية الآداب، ثم يلتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية ويتخرج فيه عام 1970.

وفي العام نفسه، التحق بالخدمة العسكرية، ليقضي 6 سنوات في صفوف الجيش بسبب ظروف الحرب، ويشارك ضمن أفراد الكتيبة 26 التي خاضت حرب أكتوبر، وهي التجربة التي وثقها لاحقًا في كتابه “الكتيبة 26”، مستعيدًا تفاصيل عبور القناة واللحظات الفاصلة في تاريخ مصر.

 

ذكرى وفاة لطفي لبيب
ذكرى وفاة لطفي لبيب

بعد انتهاء خدمته العسكرية، بدأ رحلته الفنية تدريجيا في منتصف السبعينيات، متنقلا بين المسرح والدراما والسينما، ولم تكن البدايات سهلة، إذ قدم أدوارا صغيرة في عدد من الأعمال، كما كتب وأنتج بعض مسلسلات الأطفال، قبل أن تبدأ ملامح حضوره الحقيقي في نهاية التسعينيات، عندما أصبح أحد أبرز الوجوه المألوفة في موجة سينما الشباب، أو بالتحديد في أفلام محمد هنيدي وهاني رمزي وأحمد حلمي وغيرهم من النجوم.

 

لطفي لبيب في فيلم عسل اسود
لطفي لبيب في فيلم عسل اسود

نجم أفلام الشباب

 

ورغم أنه لم يكن نجم الشباك الأول، فإن حضوره منح كثيرًا من الأفلام نكهة خاصة، حتى تحول إلى عنصر أساسي في عشرات الأعمال التي حققت نجاحًا جماهيريا واسعا، وكان من أبرز محطاته فيلم “السفارة في العمارة”، الذي قدم فيه شخصية السفير الإسرائيلي أمام الزعيم عادل إمام، في أداء جمع بين السخرية والاحتراف، وظل واحدًا من أشهر أدواره.

 

وامتدت مسيرته لتشمل أكثر من 100 فيلم سينمائي، إلى جانب عشرات المسلسلات التلفزيونية، فضلًا عن المسرح والإذاعة، حيث تنقل بسلاسة بين شخصيات الأب الحنون، والمدير الصارم، ورجل الأعمال، والشخصية الشعبية، والدجال، وغيرها من النماذج التي منحها صدقًا وبساطة جعلت الجمهور يتعامل معها باعتبارها شخصيات حقيقية.

 

كما ارتبط اسمه بعدد كبير من نجوم أجيال مختلفة، فشارك عادل إمام في أكثر من عمل، ووقف إلى جوار محمد هنيدي، وأحمد مكي، ومحمد سعد، ومي عز الدين، وحسن حسني، وغيرهم. ولم يكن يخفي اعتزازه بعلاقاته الإنسانية، إذ روى أن محمد هنيدي كان من أوائل الفنانين الذين ساندوه خلال فترة مرضه، وزاره في المستشفى، مؤكدًا أن سنوات الصداقة والعمل المشترك بينهما لم تعرف يومًا خلافًا.

 

لطفي لبيب فيلم السفارة في العمارة
لطفي لبيب فيلم السفارة في العمارة

أشهر افيهات لطفي لبيب

 

ولأن حضوره ارتبط أيضا بجمل حوارية حفظها الجمهور عن ظهر قلب، بقيت أعماله حاضرة في الذاكرة من خلال عبارات مثل “أنا ديفيد كوهين السفير الإسرائيلي” في “السفارة في العمارة”، و”أنا عايز تقرير نار.. يولع الدنيا” و”اقتل نسمة نفسها” في “جاءنا البيان التالي”، و”ابعت يا اللي بتبعت” في يا أنا يا خالتي، وارحم أمي العيانة في عسل أسود، إلى جانب عشرات المشاهد التي تحولت إلى علامات بارزة في الكوميديا المصرية.

 

عاش هنا

 

وتقديرًا لتاريخه الفني، أدرج الجهاز القومي للتنسيق الحضاري اسمه ضمن مشروع عاش هنا، ووُضعت لوحة تحمل اسمه على منزله الكائن في 33 شارع بغداد بمصر الجديدة، ليظل المكان شاهدًا على أحد الفنانين الذين تركوا أثرًا يتجاوز حدود الشاشة.

 

الفنان الراحل لطفي لبيب
الفنان الراحل لطفي لبيب

ربما لم يكن لطفي لبيب من نجوم الصف الأول في حسابات البطولة، لكنه كان واحدًا من أكثر الفنانين قدرة على انتزاع انتباه الجمهور بمجرد ظهوره في مشهد واحد. فقد امتلك موهبة نادرة في تحويل الدور الصغير إلى مساحة خاصة بينها وبين جمهوره، وصنع لنفسه مكانة خاصة لا تقاس بعدد المشاهد، وإنما بالأثر الذي بقي حاضرًا بعد انطفاء الكاميرا. لذلك، وبعد عام على رحيله، لا تبدو ذكراه مرتبطة بغياب فنان فقط، بل برحيل نموذج ظل يؤمن بأن الفن رسالة تستحق أن يُمنح لها العمر كله.