أنا سراج منير .. رحلة شغف المتمرد على رداء “الباشوية”

الفنان سراج منير
الفنان سراج منير
Picture of سلوى أبوزيد
سلوى أبوزيد
صحفية فنية متخصصة في السينما والتلفزيون سبق أن عملت في العديد من البرامج والقنوات وأيضا مواقع الإنترنت.

في مثل هذا اليوم، الخامس عشر من يوليو، تطل علينا ذكرى ميلاد الفنان سراج منير، صاحب الوجه المألوف في السينما المصرية، و”الأرستقراطي” ابن البشوات الذي  تمرد على بروتوكولات طبقته ليقتحم عالم “التشخيص” ، نعم وقتها كان يطلق على الفنان مشخصاتي ولم تكن بنفس ذات “الوهج” التي تمنح صاحبها صعودا لمكانة مرتفعة في المجتمع، إذ اختار الرجل الذي جمع بين نبل الأصل وعمق الموهبة، هذا الطريق ليصبح علامة مسجلة في تاريخ الفن العربي.

 

شرارة البداية من “سهرة منزلية”

 

 

لم يأتِ حب سراج منير للفن من فراغ، بل كان نبتة روتها الصدفة في قلب شاب نشأ في بيت يقدس العلم والوجاهة. في عام 1922، وبينما كان سراج منير يخطو خطواته الأولى نحو الشباب، تلقى دعوة من أصدقائه لقضاء سهرة في منزل أحدهم. لم يكن يدري أن تلك الدعوة العادية ستكون نقطة التحول الكبرى في حياته.

الفنان سراج منير
الفنان سراج منير

وصل سراج إلى المكان، ليجد نفسه أمام “مسرح منزلي” أقيم في حديقة البيت، حيث كان الأصدقاء ينخرطون في تمثيل مسرحية قصيرة. في تلك اللحظة، وقف الشاب الذي اعتاد أن يكون جزءاً من نخب المجتمع، متفرجاً وحيداً ومبهوراً.

لم يعد يرى الحديقة ولا الأصدقاء؛ كان يرى عالماً آخر يمتلك فيه القدرة على أن يكون أي شخص آخر، تلك الليلة كانت إعلاناً لميلاد الفنان داخل “ابن الذوات”، فلم يكتفِ بالتصفيق، بل أصر على الانضمام لفريق التمثيل بالمدرسة الخديوية، ليعلن القطيعة الأولى مع التوقعات الأسرية ليدخل عالم “التشخيص” الذي كان يُنظر إليه حينها بعين الريبة.

 

رحلة ألمانيا

 

لم تستسلم عائلة سراج منير، فأرسلته إلى ألمانيا لدراسة الطب، تماشياً مع طموح والده الذي كان مديراً للتعليم بوزارة المعارف، ولكن، هل يمكن للماء أن يطفئ ناراً اشتعلت؟ في شوارع برلين، بدلاً من أن يغرق سراج في أمهات كتب الطب، وجد نفسه غارقاً في تفاصيل السينما الألمانية الصامتة.

 

وانتقل من مرحلة المشاهدة، إلى المشاركة في أفلام ألمانية صامتة، ليدرك أن مشرط الجراح ليس أداته الوحيدة للإبداع، حيث التقى هناك بالمخرج محمد كريم، الذي صار رفيق دربه في رحلة العودة إلى القاهرة.

كان سراج يختلس الوقت من محاضرات الطب ليصقله الفن، حتى تغلبت الغاية على الوسيلة، وقرر التخلي عن سماعة الطبيب ليبدأ مشواره كـ “مشخصاتي” متمرد.

 

الهروب من فخ الحرب العالمية

 

كثيراً ما تغفل الروايات التاريخية عن الجانب “الداهية” في شخصية سراج منير. حين اقتربت الحرب العالمية الثانية، علق سراج في ألمانيا، وأصدرت السلطات الألمانية قراراً باحتجاز كافة المصريين، باستثناء من لديه ما يستدعي عودته لبلاده لأمر عاجل.

 

هنا، أظهر سراج منير ذكاءً دبلوماسياً نادراً، تواصل مع صديقه يوسف وهبي في مصر، وطلب منه إرسال برقية رسمية “تستدعيه” للتمثيل في فرقته المسرحية، وكانت هذه البرقية بمثابة “تذكرة العبور” التي أنقذته من الأسر، ليعود إلى مصر ليبدأ رحلته الحقيقية التي لن تتوقف إلا بوفاته.

 

سراج منير في شخصية عنتر
سراج منير في شخصية عنتر

“عنتر” الكوميدي و”الدراما” المركبة

 

من أكثر المفارقات إثارة في حياة سراج منير هي قدرته على كسر الصورة الذهنية، إذ ارتبط اسمه في البداية بالأدوار الجادة والوقورة نظراً لبنيانه الجسدي الضخم وصوته الرخيم، حتى جاء المخرج الكبير زكي طليمات ليعيد اكتشافه في مسرحية “شهرزاد”.

 

حين أسند إليه طليمات دوراً كوميدياً، ثار سراج ورفض بشدة، معتبراً أن “هيبة” ابن الذوات لا تتناسب مع الهزل، ولكن أمام إصرار طليمات، خضع سراج، ليقدم شخصية “مخمخ”، وتحدث المعجزة: يكتشف الجمهور أن هذا العملاق الجاد يمكنه أن يضحك العالم.

 

لم يتوقف التحدي هنا، ففي فيلم “عنتر ولبلب” مع الفنان شكوكو، قدم سراج نموذجاً فريداً للكوميديا الساخرة، بينما كان في أفلام أخرى مثل “أولاد الذوات” و”زينب” يجسد أقصى درجات الدراما.

 

سراج منير وميمي شكيب
سراج منير وميمي شكيب

الوفاء الأخير

 

ارتبط سراج منير بقصة حب أسطورية مع الفنانة ميمي شكيب، استمرت 17 عاماً من الدفء والانسجام، وكانت ميمي تمثل بالنسبة له السكن والملاذ، لكن الرحيل كان مباغتاً وقاسياً، في عام 1957، وبينما كان سراج يمارس حياته بشكل طبيعي، ينهي مهامه في إدارة الجوازات لترتيب سفر الفرقة، ويعود لمنزله بالزمالك، يداعب ابن زوجته، ثم يخلد للنوم.

 

في الصباح، حين دقت الساعة لإيقاظه، كان سراج قد غادر العالم في هدوء تام، مخلفاً وراءه زوجة محبة وجمهوراً لا يزال يذكره، وتقول ميمي شكيب عن تلك الليلة، إنها شعرت بانقباض لا مبرر له، وكأن روحها كانت تستشعر الرحيل الأبدي لشريك العمر.

 

أفلام سراج منير

 

توفي سراج منير، لكنه ترك ما يقرب من 138 عملاً فنياً، تنوعت بين المسرح والسينما، وبجانب موهبته التمثيلية، كان مثقفاً لغوياً، يتقن النحو والعربية، ويقرأ في عيون الناس تفاصيل الأدوار.

 

لقد خسر سراج منير الكثير من ثروته في تجربة الإنتاج الفني لفيلم “حكم قراقوش” عام 1953، حتى إنه اضطر لرهن فيلته، وهي الأزمة التي أثرت على صحته. ومع ذلك، لم ينكسر إيمانه بالفن، وظل واقفاً على المسرح حتى أيامه الأخيرة.

الفنان سراج منير في أحد أفلامه
الفنان سراج منير في أحد أفلامه

تعليق بلاتوه 9

سراج منير اليوم، في ذكرى ميلاده، تذكير لنا بأن الفنان يولد بفعل بقرار شجاع، وبأن يسلك طريقاً يراه الآخرون مغامرة، ويراه هو غاية الوجود، لقد كان الرجل الذي عاش كأمير، ومات كفنان كبير، تاركاً لنا دروساً في التواضع، الإتقان، والقدرة على التغيير المستمر.

 

“الفن ليس مهنة، بل هو حالة ذهنية ووجدانية نختار أن نعيشها، وهذا هو العهد الذي قطعه سراج منير على نفسه منذ ليلة المسرح في الحديقة، وحتى آخر نفس على خشبة المسرح.”