لم أترك المسرح، بل تركني الشغف الذي كان يدفعني إليه.. بهذه الكلمات عبرت الفنانة الراحلة سميحة أيوب، سيدة المسرح العربي، في تصريحات صحفية سابقة عن علاقتها بالمكان الذي كونها وشكل وجدانها، وأحبّها من خلاله جمهور عريض في مصر والعالم العربي.
صدمة أصابت الوسط الفني بعد خبر وفاة سميحة أيوب صباح اليوم الثلاثاء 3 يونيو 2025، إذ رحلت عن عالمنا عن عمر ناهز 93 عاما، ورحلة مع مرض السرطان اخفته عن الجميع.
سميحة أيوب لم تكن فنانة عادية، بل واحدة من ركائز الفن المسرحي، واسم لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن التمثيل كرسالة، والمسرح كحياة. ولدت لتقف على الخشبة، واختارت أن تكتب اسمها في التاريخ بأعمال لا تنسى، ومواقف تنحني لها الأجيال احترامًا.
بداية سميحة أيوب
كان أول ظهور لـ سميحة على المسرح من خلال دور بسيط في مسرحية البخيل للكاتب الفرنسي موليير، حين كانت طالبة في المعهد العالي للفنون المسرحية. كان ذلك في دار الأوبرا المصرية قبل احتراقها، وشاركت في العرض إلى جوار عمالقة الفن، عمر الحريري، فاتن حمامة، فريد شوقي، عدلي كاسب، وسعيد أبو بكر.
ورغم اعتراض الأهل آنذاك على دخولها عالم الفن، فإن خالها، الذي كان يؤمن بالمسرح، شجّعها، ومهّد لها الطريق لتسلك هذا الدرب الصعب، الذي تحول مع الوقت إلى شغف وسيرة ممتدة لأكثر من سبعة عقود.

عشق المسرح الذي لا يشيخ
لقبت بـ سيدة المسرح العربي، وهو اللقب الذي أطلقه عليها الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد عندما منحها وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، تكريمًا لمسيرتها المسرحية. لكنها لم تكن بحاجة إلى ألقاب، فمسيرتها كانت وسامًا بحد ذاته.
عن المسرح قالت في تصريحات سابقة: أعطيته عمري كله، وكنت أعود إليه دائما لأنه المكان الوحيد الذي لا يخون. لكنها في سنواتها الأخيرة قررت التوقف، ليس لأنها اكتفت، بل لأن “الشغف لم يعد موجودًا، والمناخ لم يعد يشجع.
رغم ذلك، بقي المسرح يسكنها. كانت تحضر العروض وتشجع المواهب الشابة، وتبدي رأيها بصراحة. رأت في عروض مثل “ودارت الأيام” نموذجًا فنيًا يستحق التقدير، وأكدت أن المهرجانات المسرحية في مصر، رغم تحدياتها، أسهمت في تشكيل وجدان أجيال من المبدعين.

رحلة سميحة أيوب
لم تكتفِ سميحة أيوب بالمسرح، فقدمت أعمالًا راسخة في الدراما التلفزيونية والسينما والإذاعة. لكنها كانت حذرة في اختياراتها، لا تقبل إلا ما يليق بتاريخها واسمها. تقول: لا أستطيع تقديم أي دور والسلام، في هذه المرحلة من عمري أبحث عن أعمال ذات قيمة حقيقية”.
من أبرز أعمالها التلفزيونية مسلسلات: الضوء الشارد، الحفار، الوسية، حضرة العمدة، وشاركت سينمائيًا في أفلام بينها رابعة العدوية، ليلة العيد، السبنسة وكوبرى الناموس.
وعن أكثر الأعمال قربًا إلى قلبها، تقول في تصريحات سابقة: كل عمل فيه شيء مني. لكن هناك أعمال لا تزال تعيش داخلي مثل الإنسان الطيب وسكة السلامة والندم، وكنت أتمنى لو تم تصويرها وعرضها تلفزيونيًا ليستفيد منها الجمهور.
الممثلة والمربية
لم تكن سميحة أيوب فنانة تؤدي الدور وتغادر، بل كانت مدرسة، ترعى وتدعم وتوجّه. اكتشفت وأثرت في أجيال من الفنانين، من بينهم سميرة محسن ومحمود ياسين، وحرصت على دعم الشباب حتى تأسيسها مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي، الذي تولت رئاسته الشرفية، ومنحته كل خبرتها وحبها.
اختارت المخرج الشاب مازن الغرباوي ليكون على رأس إدارة المهرجان، إيمانًا منها بضرورة إفساح المجال لجيل جديد يحمل الشعلة، ويعيد للمسرح بريقه.
عن الفن اليوم.. وحنان مطاوع
لا تخفي سميحة أيوب قلقها من حال الدراما المصرية: “بعض الأعمال تعتمد على الهزل والضحك فقط، بلا رسالة أو مضمون”، وترى أن المشكلة الأساسية في التأليف، حيث تُعاد أفلام قديمة في شكل مسلسلات، في دلالة على إفلاس الأفكار.
ومع ذلك، ترى بارقة أمل في فنانات مثل حنان مطاوع، التي وصفتها بأنها موهوبة وواعية، وتمتلك طاقة فنية كبيرة، بل وترى أنها الأجدر بتقديم شخصيتها في عمل درامي.
https://plato9.com/
بين الحنين والانسحاب
رغم حبها الشديد للفن، اعتذرت سميحة قبل رحيلها عن المشاركة في عروض مسرحية حديثة، مثل في انتظار بابا، التي تحولت لاحقًا إلى مورستان، بسبب البيروقراطية، وطول فترة التحضير، وملاحظات فنية لم ترتح لها. كانت تفضل الانسحاب على الاستمرار في ما لا يرضيها، فهي تعتبر المسرح بيتها، لكنها لن تعود إليه إلا إذا وجدت نصا يليق بعمرها وتاريخها.
رسالة أخيرة
في مذكراتها التي كتبتها بنفسها، روت سميحة كل ما مرت به، دون تزييف أو تردد. تحدثت عن شخصيات صنعتها ووقفت بجوارها، وأخرى تركت أثرًا في قلبها، مثل زكي طليمات وجورج أبيض. وعبرت عن إيمانها بأن الفن رسالة، وإنسانية الفنان أهم من شهرته.
رغم أنها لم تعتزل رسميًا، كانت قبل رحيلها ترهن عودتها بجودة النص ودور يُشبهها. لأنها، بكل وضوح، لن تساوم على تاريخها، ولا على فكرة الفن في حد ذاتها.
إرث لا يمحوه الزمن
سميحة أيوب ليست مجرد اسم على جدار المسرح، بل روح متغلغلة في ذاكرة الجمهور، وقامة يحتذى بها فنيًا وإنسانيًا. قدمت للفن كل ما تملك، وظلت شامخة في زمن تغير فيه الكثير.
وكانت بمثابة المرأة التي أضاءت خشبة المسرح بموهبتها، وجعلت الفن رسالة لا تشترى ولا تباع. هي التي شبعت فنًا واستكفت، وتمثل علامة بارزة في تاريخنا الفني، وبرحيلها فقد الوسط الفني الكثير.